بدون عنوان
في كثير من الأوقات عندما يعتزم المرء كتابة حدثٍ بذاته يرى أنه في حيرة من أمره، وهنا نشير إلى موقف غاية في الأهمية فربما يكون المقال قد تبلور ونما في عمق أفكاره ولكن لا يستطيع الكاتب أن يجد له عنوانا مناسبا ليبني مقطوعة يعبر فيها عمّا يجول بخاطره تجاه ما ينوي روايته بطريقة تليق بالقراء الكرام رغم أن لغتنا العربية لا تعجز عن اختيار المفردات البديلة لأي تعبير يصيغه الكاتب أو الشاعر وكذلك الأديب وغيرهم من المثقفين ورواد العلم ولكن عندما يلامس المضمون روح الإنسان فهذا كفيلٌ أن يقف عاجزا عن تحديد عنوان لينسج قصته بعناية فائقة أو حياكة ذلك الحدث بإتقان.
لقد وصلتني رسالة في معرض التواصل الاجتماعي مفادها سيرة رجل بلغ من عمره مشارف السبعين تحملُ في طياتها عناءً وألمًا لا يقوى أحد على تحمله، وهذه ليست من ضرب الخيال إنما هي حقيقة يمكنكم الرجوع إليها ومصدرها أهلٌ للثقة والاعتماد هي جمعية سيهات الموقرة، حينما كشفت عن تلك المعاناة لذلك المسن الذي أنهكته محن الأيام والسنين وجارت عليه مصاعب الحياة، وهذه الرسالة هي من بين عشرات الرسائل التي يستقبلها الجميع ولكن عندما نمعن النظر في بعض ما نقرؤه ونشاهده - من خلال وسائل التواصل الاجتماعي - لواقعنا المعاش نجد ما يدمي القلوب وتدمع له العيون ويحزن الوجدان ويكسر الشعور.
وبينما كنت أقلب الصفحات وقع أمام ناظريّ منشورٌ يتضمن بين جنباته ما يستحق التأمل بعمق لما فيه من دلائل مرهقة وظروف قاسية وأوضاع قاهرة ملخصها ما حدث لذلك الضعيف الذي بات وحيدا يصارع نوائب تلك الدار الفانية التي أوهنت قواه حتى آل به المطاف إلى الاستسلام وإعلان الرضوخ إلى واقع لا محال، واشتدت عليه الأمراض وضاق به المقام حتى شاءت عناية الله فسخر له رجالا صالحين أوفياء من جمعية هي رمز للمعروف والإنعام ومثالا يحتذى للبر والإحسان وُلدت من رحم أرض تحوي في خضمها صفات مليئة بالمآثر والمعالي توارثها الآباء عن الأجداد.
عزيزي القارئ بعد أن قرأتُ تلك الكلمات التي تقشعر لها الأبدان لحكاية ذلك الإنسان الذي فقد أهله وأحبته والخلان وجارت عليه المصائب وتراكمت به الأعباء فأصبح منفردا ترعاه عين الله ثم الفضلاء من جمعيتنا وما يقومون به - ما أمكن - لتفريج همه والتكفل باحتياجاته من رعاية وعناية واهتمام وهذا ديدنهم منذ تأسيس هذا الكيان على يد المغفور له بإذن الله الحاج عبدالله بن سلمان المطرود قدس سره وطيب ثراه والرعيل الأول ممن كانوا لجانبه من رجالنا الأبرار رحمهم البارئ جميعا وأسكنهم الفردوس الأعلى من الجنان.
أحبتي وقبل نهاية هذه الكلمات لا بأس أن نذكر بعضنا بما هو حق وواجب تجاه البلاد والعباد كما أدعو نفسي أولا وإياكم أيها المحترمون من إخوة وأخوات ألّا يفوتنا دعم هذا الصرح الشامخ وما يحويه من أناس نذروا وسخّروا أنفسهم وطاقتهم لخدمة مَن لا وسيلة لهم من الضعفاء والعاجزين من أهلنا وأبناء مجتمعنا لاسيما المتعففين الصابرين الذين أعياهم ألم السنين وشقاء الوجود فمثل هؤلاء ينتظرون يدا فياضة تمتد لهم بالسخاء، وقلبا يمنحهم الرحمة والوفاء، وبيئة تحتضنهم وتمكنهم من حياة فيها رغد عيش وكرامة وإباء.
إنّ النشاط التطوعي ليس مجرد ظاهرة إنما هو أيقونة ملؤها ضمير حي ينبض بالبقاء، والمقبلون على هذا النوع من الأعمال هم أفراد ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا جزءا من صناعة الحلول للعوائق التي يعاني منها المجتمع، ويتمثل ذلك من خلال أوجه متعددة: منها مساعدة محتاج أوإغاثة ضعيف أوتفريج هم، وهناك الكثير من هذه الأمثلة، نعم إنهم يعون يقينا أن فائض الهبات يصنع مجتمعا مترابطا متحابا ومتلاحما قابلا للتغيير تجاه الأفضل بعون الله.
لذا أعتقد جازما أن التفاعل حول ما ذكرناه آنفا حيال ذلك الرجل المقصود أعلاه وتبيان ما تعرض له من مشاق وما تلاها من إجراءات من قِبل الخيرين تحكمها مبادئ وقيم أخلاقية واجتماعية، والعمل بأقصى طاقة ممكنة للتخفيف عنه قدر المستطاع، ومن هنا أجدها فرصة استثمارية مع الله تباركت أسماؤه لنمد أيدينا معا لهذه الحالة وغيرها من الحالات الملحة من أشباه هذا الضعيف المحتاج.
أعزائي يجب التلاحم بجميع تعدداته كالتآزر والتعاون والتكاتف مع إخوتنا الأمناء المخلصين والقائمين على تلك الجمعية الأم كما يحلو لأهل البر تسميتها لما لها من تاريخ تليد ومجد عتيد ومنجزات لا يسعفنا الوقت أن نسهب بتفاصيلها وحقائق سامية لا نستطيع حصرها وسمات جليلة نصمت حائرين عن تبيانها ومناقب عدة لسنا قادرين على نعتها وشرحها، ويقف القلم قاصرا مطأطئا عن مدحها لما تحمله في مجملها من خصال زكية وطيبة ونوايا طاهرة ونقية تتجلى فيها أقدس مفاهيم الرحمة وما يتبعها من رأفة وعطف ولين جانب وشفقة.
هكذا يجب أن نكون نحن - الآدميين - فكلما اتصف الشخوص بالحنية واتخذوا من ذلك طريقا كلما علت مكارم الأخلاق وكثرت محاسن الرجال وانكشفت أسمى مضامين القيم واكتملت ظواهر المحبة بين الأفراد وسادت روح الألفة والانسجام، وعليه يعم الوئام وتنتشر الطمأنينة والسكينة والوداد وهذا ما نلمسه حقيقة في سيهات دانة الخير بشكل خاص وجميع أرجاء الوطن بشكل عام.










