إدارة القرود: عاده تصنع ثقافة أم ثقافه تصنع عاده
عندما تُرفع المهام والمسؤوليات إلى الإدارة العليا مرة بعد اُخرى، لا لأن ذلك هو الطريق الصحيح، بل لأنه الأسهل، تتشكل عادة صامتة ”تُعطّل المحاولة وتُعلّق الفعل“ ومع مرور الوقت لا تبقى هذه العادة مجرّد سلوك فردي، بل تتحول إلى ثقافه تنظيمية تُعيد تعريف القيادة، وتفصل بين تحمّل المسؤولية وممارستها الفعلية.
وعند هذه النقطة، لا يعود المدير قائداً يوجّه ويقود، بل يتحول إلى محطة أخيرة تتكدّس عندها القرارات والأعباء، وهنا لا تكمن المشكلة في الأشخاص، ولا في قدراتهم، ولا في ندرة الموارد، بل في طريقة إدارة العمل نفسها، حيث تُدار المهام كما تُدار القرود: فتنتقل من كتف إلى آخر حتى تستقر في الأعلى.
لكن السؤال الجوهري الذي يبرز هنا:
ما الذي نعنيه بظاهرة ”إدارة القرود“ ومن الذي يغديها: الفرد، أم النظام، أم الثقافة؟ ولماذا يبدو نقل المسؤولية في هذه المساحات أسهل من حملها؟ وكيف نوقفها؟.
مصطلح ”إدارة القرود“
إدارة القرود هو تشبيه إداري يُقصد به طريقة انتقال المهام والمشكلات والمسؤوليات من أصحابها الأصليين إلى أشخاص آخرين، وغالباً إلى المدير أو صاحب السلطة، والقرد هنا: رمز للمشكلة أو المهمة، التي تقف على كتف من يملكها، فإذا نقلها إلى غيره، يكون كأنه ترك ”قرده“ على كتف شخص آخر
مثال من الواقع
يمرّ المدير على الموظفين لمتابعة ما كُلّفوا به. يسأل الأول عن مهمة محددة، فيجيبه بأن العمل تأخر بسبب ضغط المهام، فيقول ”أرسلها لي الآن وسأكملها“ ثم ينتقل إلى موظف آخر، فيسمع عذر آخر، وهكذا تتكرر الحالة مع الثالث والرابع بأعذار مختلفة، وقرار واحد، ”حوّلها علي“ ومع نهاية اليوم، لا يكون المدير قد تابع العمل، بل أنجزه بنفسه.
وقد ظهر هذا المفهوم في الادبيات الإدارية لتفسير سبب إرهاق القادة، وتراجع المبادرة لدى الموظفين، رغم أن عدد المهام لم يزد فعلياً، بل تغير مكان حملها فقط
وقد قيل ”إذا كنت أنت من يفكر دائماً، فلا تتفاجأ إن توقف الآخرون عن التفكير“ وهذا القول يتطابق تماماً مع فكرة ”إدارة القرود“، فإذا كنت أنت من يحلّ كل مشكله أو يتخذ كل قرار أو يفكّر في كل التفاصيل فلا تستغرب إذا أصبح الآخرون ينتظرونك بدل أن يبادروا، أو يسألونك بدل أن يحاولوا، فالعقل مثل العضلة إذا لم يُستخدم يضعف، والقائد الذي يطرح الأسئلة على فريقه أو الأب على أبناءه، بدل أن يقدّم لهم الأجوبة الجاهزة يصنع أناساً يفكّرون لا أُناساً ينتظرون.
لماذا تظهر ”إدارة القرود“
هناك فرق جوهري كبير بين المدير الذي يعلّم ويوجّه ويصمّم بيئة تمكّن الآخرين من تحمّل المسؤولية والاعتماد على الذات، وبين من يتدخل باستمرار ليقوم بالمهام نيابة عنهم بحجّة الدعم أو التدريب، ففي الحالة الأولى تُبنى القدرة الذاتية والمهارات العملية تدريجياً، ويمنح للأفراد مساحة آمنة للتجربة والخطأ بينما في الحالة الثانية تتحوّل القدرة إلى عبء، واتكالية.
وقد أشارت دراسة في علم الإدارة والسلوك التنظيمي إلى أن الإفراط في التدخّل القيادي يضعف ما يُعرف اليوم ب ”الاستقلالية الوظيفية“ Autonomy، وهي أحد أهم محفزات الدافعية الداخلية، فعندما يدرك الموظف أو الفرد أن القرار النهائي سيُسحب منه في كل مرة، أو أن المشكلة ستُنقل تلقائياً إلى مستوى أعلى، يتراجع حافزه للتفكير والمحاولة، وذلك لإن الجهد لن يُترجم إلى أثر حقيقي.
وتدعم ذلك نماذج قيادية حديثة، مثل القيادة التمكينية Empowering Leadership التي تؤكد أن دور القائد ليس حمل ”القرود“ عن الآخرين، بل تعليمهم كيف يديرونها بأنفسهم.
فالقائد الذي يطرح الأسئلة بدلاً من إعطاء أجوبة، ويحدد الإطار بدلاً من رسم كل التفاصيل، لا يخفف العبء عن نفسه فحسب، بل يبني ثقافة ترى في المسؤولية قيمة مشتركة لا حملاً يجب التخلص منه.
وبهذا المعنى، لا تظهر ”إدارة القرود“ فجأة، بل تنمو في بيئات تتقاطع فيها النية الحسنة مع الخوف من الخطأ او مع ثقافة ترى في السيطرة دليلاً على الكفاءة، وفي التفويض مخاطرة لا ضرورة لها، وإذا استمر هذا النمط تتحوّل الاستثناءات إلى قاعدة، ويصبح نقل المسؤولية هو السلوك الطبيعي، لا تحمّلها.
من الذي يغذّي الظاهرة
لقد أشرنا إلى أن ”إدارة القرود“ ظاهره ترتبط بالمهام والمسؤوليات في البيئات الإدارية والاجتماعية وتتغذي هذه الظاهرة على ثلاثة عوامل رئيسية هي
1 - الفرد
يلعب الفرد دوراً محورياً في هذا السياق من خلال مهاراته القيادية، وثقته بنفسه، وقدرته على التفويض واستعداده لتحمل المخاطر، ومن الأمثلة على ذلك المدير الذي يخشى فقدان السيطرة أو وقوع الموظف في الأخطاء، فيحتفظ بالقرارات الحساسة لنفسه ويُلزم فريقه بالرجوع إليه في أدق التفاصيل.
وهذا النمط السلوكي، وإن بدأ في ظاهره حرصاً على الجودة، فإنه يبعث رسالة ضمنية مفادها أن المبادرة غير مرحّب بها، وأن المسؤولية الحقيقية ليست في متناول الآخرين.
وقد دعمت ذلك دراسة Deci Ryan في إطار نظرية الدافعية الذاتية، والتي بيّنت أن انخفاض الإحساس بالكفاءة والاستقلالية لدى الافراد يقلل من مبادرتهم ويزيد من اعتمادهم على السلطة الأعلى في اتخاذ القرار.
2 - النظام
تلعب الأنظمة والسياسات والهياكل التنظيمية دوراً حاسماً في تحديد من يحمل المسؤولية، ومن الأمثلة على ذلك المؤسسات التي تعتمد على هياكل تنظيمية شديدة المركزية، حيث لا يُسمح للموظف باتخاذ أي قرار إلا بعد موافقة مستويات إدارية متعددة.
وقد أشارت دراسة Mintzberg 1979 حول الهياكل التنظيمية إلى أن النظم البيروقراطية الصارمة تعزز الاعتماد على القمة الإدارية وتُضعف المسؤولية الأفقية، مما يخلق بيئة خصبة لانتقال المشكلات صعوداً بدلا من حلها في مواقعها الطبيعية.
3 - الثقافة
وهي الإطار غير المكتوب الذي يحدد كيف يُنظر إلى السلطة، والخطأ، والمسؤولية، ففي الثقافات التي تُقدس السيطرة وتُجرّم الخطأ، يصبح نقل المسؤولية سلوكاً ذكياً لا جبناً، وتصبح المبادرة مخاطرة غير محمودة
وبذلك، فإن ”إدارة القرود“ ليست نتاج عامل واحد، بل هي حصيلة تفاعل معقّد بين الفرد الذي يخشى التفويض، والنظام الذي يُقيّد المبادرة، والثقافة التي تُمجّد السيطرة وتخشى الخطأ.
لماذا نقل المسؤولية أسهل من تحمّلها
يبدو أن النقل أسهل من التحمّل لأن المسؤولية لا تعني فقط إنجاز المهمة، بل تعني أيضاً تحمّل احتمالية الفشل وتحمّل نظرة الآخرين، وتحمّل عواقب القرار، في حين أن نقلها إلى الأعلى أو إلى طرف آخر يمنح الفرد شعوراً مؤقتاً بالأمان، حتى لو كان هذا الشعور بالأمان وهمياً، لأن تحمّل المسؤولية يتطلب جهداً ذهنياً إضافياً لا يطلبه النقل، أو التحويل، بل ويحتاج تحليلاً وتركيزاً واستعداداً ووقتاً، بينما النقل يكتفي بإعادة تمرير المشكلة دون استهلاك هذا الجهد.
وقد أظهرت دراسة لـ Cipd البريطانية عام 2021 م إلى أن الموظفين في البيئات العالية العقاب يميلون إلى رفع القرارات بنسبة أعلى ب 43% حتى في الأمور الروتينية، فقط لتجنب تعرّض الشخص للمساءلة.
كيف نوقف انتقال ”القرود“
يمكن إيقاف انتقال القرود عندما يكفّ المدير أو القائد عن التقاط كل مشكلة تُرفع إليه، بحجة المساعدة والدعم، إلا في الحالات الاستثنائية والطارئة والغير روتينية، ويبدأ بدلاً من ذلك بإعادتها فوراً إلى صاحبها بصيغة واضحة ومفهومة مثل: ما الذي تستطيع فعله الآن؟ وما القرار الذي ستتخذه ومتى ستعود بالنتيجة؟ فالموظف الذي يعتاد أن لا يخرج من مكتب مديره إلا ومعه القرد نفسه، يتعلّم سريعاً أن التفكير جزء من دوره لا عبء إضافي عليه، ليتحول هذا السلوك مع الوقت من إجراء إداري إلى ثقافة عمل.
وفي النهاية يمكن أن نقول: أن إدارة القرود ليست مشكلة أفراد يتهربون من المسؤولية، بل نتيجة تراكُم سلوكيات قيادية، وأنظمة وثقافات، جعلت نقل العبء أسهل من حمله، فحين يتكرر رفع المشكلات للأعلى تتحول المبادرة إلى استثناء، وتُستبدل روح التمكين بثقافة انتظار، ويُعاد تعريف القيادة بوصفها تحمّلاً دائماً لكل شيء لا تمكيناً للأخرين.
أما الثقافة الصحيحة فهي التي تُبقي المسؤولية في موقعها الطبيعي، وتشجّع على المحاولة، وتتعامل مع الخطأ كجزء من التعلّم لا سبباً للعقاب، وعندها فقط تتوقف ”القرود“ عن الانتقال لأن كل فرد يعرف ما يحمله ولماذا يحمله؟، وكيف يُديره؟.









